لبنان

الراعي خلال قداس عيد التجلي في غابة الأرز: علينا الحفاظ على جذورنا

ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشاره بطرس الراعي قداسا احتفاليا لمناسبة عيد التجلى الرب، في كنيسة التجلي وسط غابة الأرز الدهرية. عاونه النائب البطريركي على الجبة المطران جوزيف نفاع والمونسينيورين فيكتور كيروز ويوسف فخري وكاهن رعية مار سابا الخوري شربل مخلوف وكهنة بشري، بحضور حشد من المؤمنين.

بعد الإنجيل المقدس ألقى البطريرك عظة بعنوان: “وتجلى يسوع على جبل عال” (مر 9/2) جاء فيها: “يسعدني أن نحافظ على هذا التقليد الذي سلكه أسلافي البطاركة باحتفالهم بعيد الرب في جبل الأرز المقدس، أرز الرب، في كنيسة التجلي. فالعيد هو عيد التجلي في جبل أرز الرب، لذا يسعدني أن أقدم لكم التهاني في العيد مع كل معانيه ورموزه، وأتشارك التهنئة مع أخي النائب البطريركي في المنطقة وإخوتي الكهنة الذين يخدمون المنطقة، وأحيي الأب شربل وأشكره على كلمته اللطيفة في بداية القداس.

أمام الحدث التاريخي الكبير وهو حدث التجلي، أريد أن أتوقف معكم أمام معانيه الروحية الكبيرة والتي هي في عمق حياتنا اليومية، ومع أن الحدث عمره ألفي سنة الا أن معانيه تتجلى اليوم وكل يوم. تجلى الرب على الجبل كي يرى بشكل أفضل، فأصبح الجبل رمز الصعود الى الأعلى، ونقولها في القداس ” لتكن أفكارنا وعقولنا وقلوبنا مرتفعة الى العلى”، هي دعوة لنا ولكل جيل كي نخرج من مستنقعات الحياة، فعالم اليوم منغمس بمستنقع المصالح الشخصية والفردية، وفي الأنانيات، ونحن في لبنان نعاني من هذه المستنقعات، ونريد اليوم أن نصلي من أجل المسؤولين السياسيين كي يخرجوا من مستنقعات أنانياتهم ومصالحهم وأن يعلوا بالروح والقلب والفكر، كي يروا الواقع اللبناني، كما تراه الدول من بعيد والدليل الأكبر هو المؤتمر الذي عقد يوم أمس في باريس، ولكن دعوتي اليوم هي أيضا لكل واحد منا كي يرتفع الى الأعلى، وكي ننظر بطريقة أفضل الى الأمور حتى في حياتنا اليومية والكنسية والزوجية والاجتماعية، نحن بحاجة أن نرتفع الى الأعلى كي نرى بشكل أفضل، ولهذا تجلى يسوع على جبل عالٍ وثيابه بيضاء كالثلج، فما معنى هذا الحدث؟

في التجلي أعطى يسوع طبيعته البشرية بهاءها إلالهي، فالانسان مخلوق على صورة الله، ويسوع الاله المتجسد أظهر كل جمال الانسان والانسانية، لذلك تجلى بجمال بشريته ولكن بالنور الالهي الموجود فيه، وهذه دعوة لنا كي نحافظ على بهاء صورة الله فينا التي هي بهاء وشرف لكل انسان مهما كان عرقه ودينه وانتماؤه، فالانسانية هي ما تجلى يسوع فيها ومن أجلها، واللون الأبيض الذي تجلى يسوع فيه يرمز الى النعمة الالهية التي أعطانا اياها يسوع ثمرة موته وقيامته، نحن لا نراها ولكنها تعمل داخل الانسان.

فلنفكر سويا بالقديس شربل، هو انسان عادي من الناحية الخارجية، ولكن النعمة كانت تعمل فيه من الداخل وبعد موته تجلى جماله على كل الأرض، وهذا دور النعمة الالهية التي تشع من داخل الانسان، من خصاله وطريقة تفكيره، فهذا الثوب الأبيض هو رمز كلام يسوع المسيح، النور، كلمتك مصباح لخطايا، فيسوع قال للعالم كل الحقيقة، خاصة حقيقة الانسان ومعنى التاريخ والوجود للسلام والبنيان والتلاقي وكشف حقيقة الله، فأصبحنا نعرف من هو الله وحقيقة الله التي هي المرآة التي من خلالها ننظر، وهذا رمز الثوب الأبيض الذي كان يرتديه يسوع في التجلي.

يسوع الذي تجلى على الجبل هو نفسه المتجلي في قربانة بيضاء على المذبح، ونحن بفعل عبادة وبفعل تأمل ننظر من خلال القربانة البيضاء الى كل سر المسيح المتجلي، فالتجلي هو منطلق لفعل إيمان وعبادة في حياتنا اليومية، ففي حدث التجلي رافق يسوع، بطرس ويوحنا ويعقوب، وهم نفسهم رافقوه في بستان الزيتون، فهذا المتجلي على الجبل بكل بهائه هو نفسه المتجلي في جبل الزيتون، وقد هيأهم كي ينتزع الحزن من قلبهم، فالتجلي هو استباق للقيامة ودلالة على المجد الآتي من خلال موته على الصليب، وهكذا كشف مصير آلام كل انسان، التي هي باب للقيامة.

هنا أتوجه لكل فرد منا وللشعب اللبناني المتألم من كل شيئ، ولا داعي لأن أذكر أسباب تألمه، ولكن أقول لهم من جديد أن هذه طريقنا للقيامة، فمصيرنا هو مصير يسوع المسيح، أي القيامة، ونحن مدعوون الى فعل الايمان الكبير هذا، فيسوع الذي علق على صليب العار هو نفسه القائم من بين الأموات بالمجد في اليوم الثالث، لذا يجب أن ننتزع من قلوبنا كل يأس وحزن، فالايمان المسيحي مبني على صخرة لا تتزعزع، فحضور ايليا وموسى على الجبل يوم التجلي له معانيه، أي أن يسوع هو اكتمال كل العهد القديم، فموسى يمثل الشريعة وكل الوصايا التي أعطاه إياها الله منقوشة على حجر، ويسوع هو الشريعة التي تحمل اسم المحبة. فالوصايا العشرة التي أعطاها الله لموسى جميعها قائمة على المحبة، واكتمال الشريعة كان بالمسيح الذي هو الشريعة. أما ايليا فهو يشكل الاعلان والدفاع عن الاله الواحد الحق، وبيسوع انكشف هذا الاله الواحد المتجسد، أي آب وابن، وروح قدس. التلاميذ في حدث التجلي ناموا ليس لأنهم متعبين بل لأن لا أحد يستطيع أن ينظر الى الشمس، أي أننا لا نستطيع أن نقارن ونقارب ونفهم سر الله ونحن شاردون، فالانسان يغمض عينيه عندما يريد التفكير، وفعل العبادة هو فعل تأمل عميق.

أحب الرب يسوع في هذا الحدث أن يكشف لنا كل المعاني التي يحملها، وسمعنا في النهاية أن ثيابه أصبحت بيضاء كالثلج، وهو ما يعني أن المسيح وحده هو فادي الانسان ومخلص العالم، وعمله مستمر في التاريخ عبر الروح القدس.

نصلي اليوم معكم كي يعطينا الله نعمة عيد التجلي، وكي نعود الى بيوتنا حاملين الفرح، فرح عيد التجلي، وأن نتأمل دائما في هذه الصفحة الانجيلية لأن أفكار يسوع المسيح لا تنحصر في عدد معين من الكلمات والمعاني.

أحيي بيننا كما كل سنة الجمعية الفرنسية: “مساعدة، رسالة، صداقة” التي تقوم بالنشاط الثقافي مع 300 طفل في منطقة بشري. أشكرهم على وجودهم وعلى كل ما يقومون به. فليحميكم الله وليبارككم بنعمه.

يا رب نحن على جبل الأرز الذي يعلمنا كما ذكرنا قداسة البابا فرنسيس في تموز من العام الماضي عندما قال: “يا شعب لبنان لا تخافوا، رمزكم الأرز لأنكم شعب متجذر” فالأرز لم يستطع الشموخ والارتفاع الا لأنه متجذر في الأرض، ونحن شعب متجذر في الأرض، ويجب أن نحافظ على جذورنا في هذه الأرض، فليحميكم الله وليكن معكم بنعمة الثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس، اله واحد آمين”.

وكان القداس استهل بكلمة للخوري مخلوف رحب فيها بالبطريرك في ربوع الارز شاكرا له زيارته وطالبا البركة الابوية. وبعد القداس دشن البطريرك منحوتة مار شربل التي قام بتجسيدها الفنان رودي رحمة على إحدى شجرات الارز الدهرية والتي أصابها اليباس منذ سنوات، وألقى رحمة قصيدة شعرية نوه فيها بمواقف البطريرك الوطنية الحكيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى