مشهدية التشييع تبدّد رهانات “إسرائيل”: على الدولة اللبنانية القيام بما أخفقنا فيه!

كتب علي حيدر في الأخبار:
مشهدية تشييع الأمينين العامين لحزب الله الشهيدين السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين بما تتضمنه من تعبير عن الحزن وتأكيد الانتماء الواعي للمقاومة وحضور فاق التوقعات، في منعطف تاريخي يمر به لبنان والمنطقة، لا يمكن تجاوزها في رسم معادلات وخيارات (بغض النظر عن اتجاهاتها) ستطبع المرحلة المقبلة في لبنان. ومن بين من فوجئوا كيان العدو الذي كشفت ردود أفعاله مستوى توتره وخيبته، بعدما لمس فشل جانب رئيسي من رهاناته وأهدافه، والأهم بعدما شكّلت هذه المشهدية له مؤشراً مُقلقاً حول اتجاهات المستقبل.
وقد عكست مواقف قادة العدو مفاجأتهم من مشهد التشييع الذي فاق كل التقديرات وكان استثنائياً على مستوى لبنان والمنطقة، رغم كل محاولات التطويق والإحباط وبث الشائعات والإيحاء بتهديدات. وأهم دلالاته التي حضرت في تل أبيب أنه ظهّر جانباً أساسياً من نتائج الحرب الإسرائيلية التي كان من أهم أهدافها تأليب شعب المقاومة عليها وتحويلها حالة غريبة في مجتمعها وعزلها تمهيداً لخنقها. فكانت النتيجة العكس تماماً، إذ تجلّت في تشييع الأحد حقيقة أن المقاومة مجتمع وليست حالة عرضية، وأن محاولات فكّها عن مجتمعها ليست سوى أوهام.
في هذه الأجواء، قررت قيادة العدو إرسال مقاتلات حربية لشن غارات وهمية فوق التجمّع الشعبي الكبير، وسارع وزير الأمن يسرائيل كاتس إلى مواكبة هذا الاعتداء سياسياً بالقول إن تحليق المقاتلات «رسالة واضحة بأن هذا مصير من يهدد بتدمير إسرائيل ويهاجمها»! لم يكن العدو بحاجة إلى تأكيد المؤكد، لكن كانت هناك حاجة إلى مثل هذا الموقف للتغطية على فشل تحقّق الهدف المباشر بمحاولة إنتاج صورة مغايرة يهرول فيها الناس خوفاً، بما ينتج مشهداً مغايراً في أبعاده ورسائله.
وهو ما أفشله الجمهور أيضاً. ولذلك اعتبر الرئيس السابق للعمليات التخريبية في الموساد عوديد عيلام أنه «كان ينبغي إرسال طائرة تخرق جدار الصوت وترمي بحراً من المنشورات للقول: انظروا إلى ما نحن قادرون على فعله»، مع شن هجوم سايبري لتعطيل الحفل ليخلص إلى أن إسرائيل «فوَّتت فرصة ثمينة جداً لكيّ وعي اللبنانيين بشكل رئيسي، ولكن ليس وحدهم فقط». وكشف أنه كانت هناك آراء عدة لدى المنظومة القيادية حول كيفية الرد على الحشد الشعبي، في إشارة إلى المفاجأة التي أثارها هذا الحشد لدى المسؤولين الإسرائيليين.
في كل الأحوال، تبقى الصورة النهائية والأهمّ التي تكرّست، أن التحدي الذي مارسه العدو عبر أحدث الطائرات الحربية، واجهه الجمهور المحتشد بالقبضات المرفوعة والهتافات، وتحول الاعتداء الجوي الإسرائيلي إلى فشل إضافي لكيان العدو في مواجهة مجتمع المقاومة وقاعدتها الشعبية.
وليس أقل دلالة ما صدر أيضاً عن وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر الذي عرض صورة للمشهد الشعبي على حسابه في منصة X، جمع فيه تقدير إسرائيل لرسائل المشهد التي حضرت في تل أبيب، من ضمنها أن لبنان أمام «منعطف تاريخي» بين خيارين: «استمرار الاحتلال الإيراني عبر حزب الله أو التحرر من إيران وحزب الله ونيل الحرية». وحدد المطلوب إسرائيلياً من الدولة اللبنانية بالقول إن «الخيار بيد لبنان والشعب اللبناني» للقيام بالمهمة التي عجزت إسرائيل عن تحقيقها عبر الحرب، في إشارة صريحة إلى أن المطلوب من الدولة اللبنانية مواجهة المقاومة.
وإذا ما تجاوزنا الأدبيات التي يستخدمها بشكل متطابق القادة الإسرائيليون وبعض اللبنانيين إزاء شريحة واسعة من الشعب اللبناني بهدف سلخ الأبعاد الوطنية عن المقاومة، لم يكن إطلاق وصف «المنعطف التاريخي» على لبنان إلا تعبيراً عن فشل الحرب في إحداث التحول المؤمَّل إسرائيلياً، ولا يتعارض ذلك مع نجاحه في إنتاج وقائع تريد إسرائيل أن يبني عليها بعض اللبنانيين لمواصلة ما فشلت في تحقيقه.
ما تقدم يشير بوضوح إلى أنه ليس من المبالغة القول إن مشهدية التشييع ستكون حاضرة كمعطى رئيسي على طاولة التقدير السياسي والأمني لعدد من الجهات، وبالتأكيد في كيان العدو، وخصوصاً في تقويم نتائج الحرب الأميركية – الإسرائيلية، وفي التعامل معها كأحد عوامل تشكيل المرحلة اللاحقة. ولذلك ستكون حاضرة في تقدير مسارات المستقبل، وفي خلفية خياراتها في هذا الاتجاه أو ذاك.
قيادة حزب الله تتقبّل التعازي بالشهيدين السيدين
تقبّلت قيادة حزب الله أمس التعازي بالشهيدين السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين في باحة عاشوراء – منطقة الجاموس في الضاحية الجنوبية. ومنذ الصباح الباكر، توافدت وفود رسمية وعربية وإسلامية وأجنبية وأفريقية، وشخصيات دبلوماسية وسياسية ونيابية ووزارية وأمنية وعسكرية ودينية، وفعاليات اجتماعية وثقافية وإعلامية وأدبية وتربوية ونقابية وبلدية واختيارية، ووفود شعبية من مختلف المناطق. ومن بين المعزّين رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على رأس وفد من الحزب، نواب تكتل اللقاء النيابي المستقل الياس بو صعب وإبراهيم كنعان وآلان عون، نائبا كتلة التنمية والتحرير علي خريس وأيوب حميد ورئيس المكتب السياسي لحركة أمل جميل حايك، النواب جهاد الصمد وحسن مراد وميشال المر، النواب السابقون نجاح واكيم وإميل إميل لحود وزاهر الخطيب، ممثّل المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني في لبنان حامد الخفاف، وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المونسنيور عبدو أبو كسم ممثلاً البطريركية المارونية، وفد من الحزب السوري القومي الاجتماعي ترأّسه رئيس الحزب ربيع بنات، أمين سر لقاء «مستقلون من أجل لبنان» رافي مادايان، وفد من ضباط الأمن الداخلي والأمن العام، ووفود من الجامعة اللبنانية واللقاء الإعلامي الوطني واتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية والحشد الشعبي العراقي وكتائب حزب الله في العراق.