لبنان

سلامة: لبنان يواصل بناء الدولة الحقيقية وسط تحديات السيادة والتعددية المجتمعية

أكد وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة أن لبنان، رغم تعثراته، لم يستسلم لفكرة الدولة الناقصة، بل واصل العمل للانتقال من “مشروع الدولة” إلى “حقيقة الدولة”، موضحًا أن الواقعية تفرض الاعتراف بالنقوص، فيما يستند التفاؤل إلى تجربة اللبنانيين في تجاوز محطات صعبة سابقة، معتبرًا أن استكمال السيادة ليس حدثاً آنياً، بل مساراً تراكمياً يتطلب إرادة سياسية جامعة وثقافة مواطنية راسخة.

جاء ذلك خلال مشاركته في مؤتمر “المواطنية وسيادة الدولة: الوضع الراهن وآفاق المستقبل” برعاية رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، وبحضور وزراء ونواب وشخصيات سياسية ودبلوماسية في مقر المكتبة الوطنية – الصنائع. وافتتح سلامة كلمته بالإشارة إلى أن الدول، مثل البشر، تولد وتنمو وقد تضعف أو تموت، وأن اكتمالها ليس أمراً مسلّماً به، بل مسار مستمر من البناء والمواجهة، مستعرضًا التحولات التاريخية منذ القرن الثامن عشر، الذي شهد تراجع عدد الدول من نحو 500 إلى أقل من 30، وصولاً إلى القرن العشرين الذي وصفه بـ”قرن ولادة الدول”، حيث ارتفع العدد تدريجياً إلى 194 دولة معترف بها دولياً بعد الحروب العالمية وحركات التحرر من الاستعمار، وانتهاء الحرب الباردة مع تفكك الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا.

وأشار إلى أن غالبية الدول الحديثة سارعت إلى تثبيت رموزها السيادية من دستور ونشيد وطني ومؤسسات ثقافية، غير أن “الرمزية لا تكفي وحدها”، إذ إن جوهر المسألة يكمن في انتقال الولاءات المتعددة داخل المجتمع إلى مرجعية واحدة جامعة هي الدولة، وهي عملية معقدة قد تسير ببطء أو بسرعة تبعاً للظروف الداخلية والإقليمية، مع التأكيد أن وجود مكونات مجتمعية متعددة ليس استثناءً بل القاعدة في معظم دول العالم، فيما تبقى الدول المندمجة بالكامل استثناءً.

ولفت إلى التحديات أمام الدولة الحديثة، داخلياً عبر المنافسة على ولاء المواطنين، وخارجياً بمحاولات التأثير أو جذب جزء من السكان للانتماء لكيانات أوسع، ما يضع السيادة أمام اختبار دائم، قبل أن يشرح الأبعاد الأربعة للسيادة: القدرة على احتكار السلاح وإدارة الشأن العام (السيادة الداخلية)، الحق في اختيار النظام السياسي دون تدخل خارجي (السيادة الويستفالية)، الاعتراف الدولي بعضوية الدولة في “النادي الدولي” (السيادة الدولية)، وقدرة الدولة على حماية سكانها وتأمين مقومات العيش الكريم مع احتمال تدخل دولي عند العجز (السيادة كمسؤولية).

وفي تقييمه للبنان، أكد أن الدولة تقف بين النجاح والإخفاق، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية تسعى لاستكمال مسار السيادة الداخلية عبر دخول الجيش مناطق لم يكن قد دخلها منذ سنوات، وأن السيادة الويستفالية والدولية والسيادة كمسؤولية تواجه تحديات مرتبطة بالتدخلات الخارجية، الأراضي المحتلة، والأزمة المالية، بينما تتحقق المسؤولية الأساسية للدولة من خلال قدرتها على التعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسساتها المالية والمصرفية لتتمكن من الاضطلاع الكامل بمسؤولياتها تجاه المواطنين.

وختم سلامة بالقول: “لبنان، رغم تعثراته، لم يستسلم لفكرة الدولة الناقصة، بل واصل العمل للانتقال من مشروع الدولة إلى حقيقة الدولة. الواقعية تفرض الاعتراف بالنقوص، لكن التفاؤل يستند إلى تجربة اللبنانيين في تجاوز محطات صعبة سابقة. استكمال السيادة ليس حدثاً آنياً، بل مساراً تراكمياً يتطلب إرادة سياسية جامعة وثقافة مواطنية راسخة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى