مقالات

برّي: العفو العام لم يؤجَّل كي يسقط

مذ رفعت جلسة مجلس النواب الخميس الفائت دونما اقراره، عُدّ اقتراح قانون العفو العام انه اضحى من الماضي. وقْع الخلافات التي افصحت عنها الجلسة بين القوى الثلاث المعنية به، اوحى بوطأة النزاع الذي يمكن ان تتسبب فيه المثالثة

وشت طبيعة الخلافات والسجالات الحادة على اقتراح قانون العفو العام في جلسة البرلمان، الخميس المنصرم (28 ايار)، بأن من المتعذر الوصول الى اتفاق لاحق عليه. اظهرت التكتلات الثلاثة الرئيسية التي اختلفت عليه، الثنائي الشيعي والكتل المسيحية وتيار المستقبل، ان من المستحيل التوافق على ثلاثة بنود من الاهمية لدى كل منها تجعلها لا تتراجع عنها، ومن غير ان توافق كل منها على مطلب الفريق الآخر. ذاك ما كشفته سجالات الجلسة، ثم تعطيلها بما يتجاوز النصاب القانوني الى افقادها الميثاقية، على نحو ما فعله الرئيس سعد الحريري وكتلته النيابية.

ليست الصورة المتشائمة عن الاقتراح، كما عن المناخ الطائفي الحاد الذي رافق الجلسة، وجهة نظر رئيس البرلمان نبيه برّي. رغم رغبته في اقرار الاقتراح واستعجاله، وانهاء الملفات الثلاثة المنطوية عليه، ومن ثم تعذر حصول ذلك، قرأ نتائج جلسة الخميس على نحو مختلف واكثر تفاؤلاً:
1 – لم يؤجل بتّ الاقتراح والتصويت عليه كي يسقط، بل ليعيد تأسيس التوافق الذي رافق محطات الاعداد له بتأن، في اجتماعات اللجان النيابية المشتركة، وقادته الى الهيئة العمومية. تالياً، فإن الاقتراح ليس في حاجة الى اعادة درس في اللجان، بل توفير الظروف السياسية لطرحه مجدداً على نحو ما كان منتظراً حصوله الخميس، كجزء لا يتجزأ من التوافق القائم من حوله. بحسب ما يسمعه المطلعون على موقف برّي، تحتاج اعادة طرح الاقتراح الى التوقيت السياسي المناسب، بعدما ادرك الافرقاء جميعاً الحاجة اليه والى «مبدئيته» حتى.
2 – يشير رئيس المجلس الى ما يعتبره قضية جوهرية رافقت الاعداد للاقتراح، تكمن في ان التوافق الذي تم من حوله «محاولة جديرة بالبناء عليها»، وهو سبب كاف على الاقل كي لا يؤخر طويلاً اعادة طرحه. وفق ما يقول، فإن الكتل الرئيسية في المجلس استطاعت الوصول الى اكثر من قواسم مشتركة حيال بنوده «من شأن البناء عليها في مواضيع وطنية اخرى تحتاج الى توافق مماثل».
ما يعنيه ايضاً ان الافرقاء الرئيسيين توصلوا الى اقتناع تام بأن احداً منهم لا يسعه بمفرده، بلا شركاء، اخراج قانون عفو عام على قياسه وحده، او يستجيب مصالحه هو بالذات، واهمال وجهة نظر اطراف آخرين ومصالحهم. دارت مفاوضات طويلة وتفصيلية حيال الملفات الثلاثة التي تضمنها الاقتراح، المتعلقة بالمحكومين الاسلاميين والاتجار بالمخدرات واللاجئين اللبنانيين الى اسرائيل. كل من الكتل تلك تمسّك بأحد الملفات الثلاثة ورفض الملفين الآخرين، او على الاكثر ابدى استعداده القبول بثانٍ ورفض الثالث. رغم التناقض الذي رافق تشتت المواقف، انتهى الافرقاء المعنيون الى الاخذ في الاعتبار قاعدة «ما يترك كله لا يترك جله». وهو مغزى توافقهم على تسوية لا احد خاسراً فيها، وكلهم رابحون بحصص مقبولة يسهل الاقتناع بها.
يقول برّي – الذي اراحته هذه الخلاصة عن هذا الجانب – ان هؤلاء سلّموا بضرورة «التفاهمات الوطنية والوصول الى وعي سياسي لا يدخل البلد في متاهات هو في غنى عنها في احوال التدهور الحالي».
3 – مع ان اقرار الاقتراح تعثر في اللحظة الاخيرة، واكثر ما أثار استغرابه انسحاب الحريري وكتلته على نحو فاجأه، يقول برّي ان ثمة محاولة مفتعلة توخت الوصول الى هذا التعطيل. بيد ان هذه السلبية وضعت قاعدة اضافية كانت المرة الاولى تتجلى من خلال مجلس النواب، هي ما يسمّيه برّي «ثقافة التسامح». في رأيه ان تخلي الافرقاء المعنيين، واحداً تلو آخر، عن بعض الشروط والقبول بتفهّم المصالح المتبادلة، اتاح الوصول الى تسوية سياسية في العفو العام. ذلك ما عناه عندما وضع في الجلسة العامة «الوحدة الوطنية في منزلة المقاومة».
4 – بالتأكيد كان يفضّل ان تكون ضوابط عودة اللاجئين اللبنانيين الى اسرائيل اكثر مما تقرر، بيد انه ايّد وضع حد نهائي لهذا الملف الذي – في اعتقاده – اضحى كشوكة في حلق، يُراد استغلاله بـ«شرور» لاثارة عصبيات مضللة الى حد التعرض الى الوحدة الوطنية، كالقول انه «ملف مسيحي محض» مع ان في عداد هؤلاء شيعة كثيرين ذهبوا الى اسرائيل بسبب ارتكاباتهم في حقبة الاحتلال الاسرائيلي. اضف ان دون العائدين المحتملين الى البلاد قيوداً متشددة لن تفتح الطريق امام حملة الجنسية الاسرائيلية او المتزوجين من اسرائيليات او اولئك الذي انشأوا مصالح هناك ممن يمثلون «العمالة الفاقعة». ناهيك بمسألة مهمة يوردها ايضاً، هي ان فرصة العودة تضع مرجعية الاحتكام بين يدي القضاء والقانون «لكن تحت سقف التسامح». في حصيلة الامر لن يعود من هناك الا المقطوع من شجرة.

اعادة طرح العفو مرتبط بتوقيت سياسي لا بإعادة مناقشة

5 – لم يكن طرح رئيس المجلس التصويت على الاقتراح بمادة وحيدة وليد الجلسة العمومية، بل قرره سابقاً بعد مناقشته مع الكتل تفادياً للدخول في السجالات عند طرح الاقتراح مادة مادة. اذذاك ستعمد كل كتلة الى اطراء ملفها و«الحرتقة» على الملفين الآخرين، ما يفضي الى تبادل الاعتراضات، وتالياً تهشيم الاقتراح واسقاطه. اصراره على ان يكون كلاً لا يتجزأ في التصويت له، كما هو، حمله على التفكير في الاقتراع عليه بمادة وحيدة. ما رامه رئيس المجلس ان لا تخرج الشياطين من الاقتراح، يقيناً منه بأن في كل اقتراح او مشروع قانون شياطين، لكن ايضاً في كل انسان شيطان.
6 – ساء برّي تصوير التعاطي مع العفو العام كما لو ان ليس لدى السنّة الا الداعشيون والمتطرفون، وليس لدى الشيعة الا مهرّبو المخدرات والمتاجرون بها والمطلوبون، وليس لدى المسيحيين الا العملاء. مع ان لدى كل من هؤلاء خليطاً من اولئك، يقول رئيس المجلس ان «التعميم ظالم». يتوقف خصوصاً عند المطلوبين البقاعيين «المتروكين الذين يلاحقهم العوز والفقر»، قائلاً: «ليسوا كلهم مهرّبي مخدرات او مروّجين. من بين المطلوبين 32 الفاً لا علاقة لهم بذلك سوى ان اسماءهم وردت في التحقيقات او على صلة بمتهمين، ولم يمثلوا امام القضاء خشية توقيفهم، فصدرت في حقهم مذكرات توقيف، فأضحوا ملاحقين وبينهم محكومون غيابياً».

الأخبار _ نقولا ناصيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى