مقالات

لازمة التسعينات في 2020: مَن لا يُستغنى عنهم!

في 17 تشرين الاول واجه شارع الانتفاضة الطبقة السياسية لاسقاطها من فرط فسادها. الآن يوجّه شارع الصيارفة الصراع الدائر داخل الطبقة نفسها، المرتكبة اياها، بين مَن يريد التخلص من حاكم مصرف لبنان، ومَن يريد الابقاء على رأسه من فرط معرفته بأسرارها وكنوزها

في 21 كانون الاول 2019، في اختتام زيارته الاخيرة لبيروت، اجتمع مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى دافيد هيل بقائد الجيش العماد جوزف عون، ثم بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. بعض مَن كانوا اجتمعوا به قالوا انه اطرى الحاكم بفائض زائد، موضحاً ان ادارته تدعمه وقائد الجيش، وتحذر من التعرض اليهما. كانت اشارة واضحة لاولئك الذين تلاعبت بمخيلتهما فكرة التخلص منهما. حينذاك كان عون وسلامة في واجهة الحدث بعد انطلاق الحراك الشعبي قبل شهرين، وتسجيل مآخذ على الجيش لعدم منعه اقفال الطرق بداية، كأنه يقف على الحياد بين الشارع والطبقة السياسية، كما تسجيل مآخذ على حاكم مصرف لبنان لتسهيل فلتان الدولار وكان صعوده بطيئاً، الا انه تحرّك جدياً للمرة الاولى منذ عام 1993. كانت في بيروت وقتذاك احاديث رئاسية تناولت الرجلين كمرشحين محتملين رئيسيين، مع ان ولاية الرئيس ميشال عون بالكاد انهت نصفها الاول.
مغزى التذكير بهذه الواقعة موقفان لم يمضِ عليهما اخيراً وقت:
اولهما، وفق ما يذكر واسعو الاطلاع، ان لا اشارة اميركية رسمية وصلت الى السلطات اللبنانية حتى الساعة، ذكّرت بانذار هيل قبل سنة ونصف سنة، وتالياً ليس ثمة كلام اميركي يصر على ابقاء الرجل – الموصوف بأنه صديق موثوق به للاميركيين – في منصبه، ورفض اخراجه منه تحت طائلة فرض عقوبات صارمة ومكلفة في حق الدولة اللبنانية. لكن التذكير بالبراغماتية الاميركية يرتبط بدوره بالشركات الثلاث التي قيل ان الحكومة اللبنانية اصرت على توليها التدقيق المحاسبي في حسابات مصرف لبنان وارقامه. وهي تنتمي الى ما يدعى «المجمّع العسكري الصناعي»، المرتبط مباشرة بتوجهات الحكومة الاميركية، ما يشير الى ان واشنطن ليست بعيدة عن مراقبة ما يجري في الداخل اللبناني، من دون ان يعني ذلك انها ملتزمة، كما قبلاً، حماية الحاكم الحالي الذي ربما يكون قد استنزف. ما تريده في الواقع – من ضمن اخذها في الحسبان موازين القوى اللبنانية المحلية – ابقاء لبنان في ظل النظام المالي الدولي، والاستمرار في اتباع سياسة تطبيق العقوبات الاميركية سواء بازاء الارهاب او حزب الله.
ثانيهما، ان يوم أول من امس كان اختباراً اضافياً للمواجهة المفتوحة بين السلطة وحاكم مصرف لبنان الذي يتصرف كأنه الخصم الوحيد لها، وهو وحده يواجهها ويعتزم كسرها ويملك من عدّة الشغل ما يكفي. قبل ان يصدر رسمياً صباح البارحة تعميم تثبيت سعر الدولار على 3200 ليرة، كان قد سُرّب منذ مساء الاحد، ووصل الى كمّ هائل من الاشخاص في السلطة وخارجها. فُسّر بداية على انه خطوة الى الوراء اتخذها سلامة، رداً على الاتهامات المساقة اليه بالاهمال الوظيفي حيال الهبوط المريع لليرة اللبنانية، واشعاراً لخصومه بمحاولة استيعابه هجومهم عليه. سرعان ما دحضت الساعات التالية هذا الاعتقاد، حينما لم يقرن سلامة تعميمه هذا بالتدخل في السوق، كي يُظهر للصرافين – الشرعيين وغير الشرعيين – مخالبه على الاقل، وجدية مضيه في التعميم لوقف تمادي الانهيار. فاذا التعميم ورقي، بينما الصرافون كانوا اللاعبين الحقيقيين في رفع السعر الى 4200 ليرة. عنى ذلك للفور ان الرجل ماض في المواجهة، متسلحاً بعجز مجلس الوزراء – من داخله بداية – عن الخوض في مصير ولايته.
منذ اسابيع لا احد في صدارة الحدث الا حاكم مصرف لبنان. في الايام القليلة الاخيرة بدا انه فعلاً الاقوى في الجمهورية، في معزل عن حصانة ولايته وصلاحياته وخبرته المخضرمة في ادارة مصرف لبنان امتدت الى 27 عاماً. الاكثر مدعاة للانتباه ان الرجل، وبالتأكيد مَن هم فوقه ومَن هم تحته، يستعيدون قاعدة رافقت وجود الرئيس رفيق الحريري في السرايا ما بين عامي 1992 و1998، حينما قيل ان خروجه من الحكم سيؤدي الى انهيار العملة الوطنية بصفته منقذها، ما يعيدها اذذاك الى ما كانت عليه عشية 6 ايار 1992. لذا لزم الحريري رئاسة الحكومة. بخروجه منها للمرة الاولى عام 1998، لم تنهر الليرة في مطلع عهد الرئيس اميل لحود العدو الاول للحريري. كذلك بعد اغتياله عام 2005. تداعت وقتذاك كل التوازنات السياسية والامنية في البلاد وخرج الجيش السوري، فيما حافظت العملة الوطنية على استقرارها. ما بين ذلك العام حتى وصول خلفه الرئيس سعد الحريري الى السرايا في حكومته ما قبل الاخيرة عام 2016، لم تتزحزح ويبدأ هبوطها الا مع احتجازه في الرياض في تشرين الثاني 2017. من ثم – رغم مؤتمر سيدر – باشرت انحدارها التدريجي الى ان بلغ الذروة عشية 17 تشرين الاول المنصرم.
على مر السنوات التالية لاغتيال الحريري الاب – استكمالاً لما كان في ظله – لم تبقَ زاوية في الدولة لم تنهبها الطبقة السياسية او تسطو عليها ولا مال عام لم يهدر، الى ان اصبحت الخزينة خاوية تماماً. ترافق اعلان افلاس الدولة مع اعلان افلاس مماثل لمصرف لبنان بخلو خزينته من الاحتياطي الضامن والكافي من العملات الصعبة. في ذلك ايضاً يكمن مغزى ان الحاكم ليس المرتكب الوحيد ولا الاقوى. لكنه في الواقع اضحى اقوى واجهة عن الطبقة السياسية التي تناوبت على حكم البلاد طوال ثلاثة عقود. بعضها الكثير لا يزال اليوم في السلطة، لكن بعضها الآخر في المعارضة هو نصف التوأم المرتكب.
مغزى التذكير بهذه الواقعة موقفان لم يمضِ عليهما اخيراً وقت:
اولهما، وفق ما يذكر واسعو الاطلاع، ان لا اشارة اميركية رسمية وصلت الى السلطات اللبنانية حتى الساعة، ذكّرت بانذار هيل قبل سنة ونصف سنة، وتالياً ليس ثمة كلام اميركي يصر على ابقاء الرجل – الموصوف بأنه صديق موثوق به للاميركيين – في منصبه، ورفض اخراجه منه تحت طائلة فرض عقوبات صارمة ومكلفة في حق الدولة اللبنانية. لكن التذكير بالبراغماتية الاميركية يرتبط بدوره بالشركات الثلاث التي قيل ان الحكومة اللبنانية اصرت على توليها التدقيق المحاسبي في حسابات مصرف لبنان وارقامه. وهي تنتمي الى ما يدعى «المجمّع العسكري الصناعي»، المرتبط مباشرة بتوجهات الحكومة الاميركية، ما يشير الى ان واشنطن ليست بعيدة عن مراقبة ما يجري في الداخل اللبناني، من دون ان يعني ذلك انها ملتزمة، كما قبلاً، حماية الحاكم الحالي الذي ربما يكون قد استنزف. ما تريده في الواقع – من ضمن اخذها في الحسبان موازين القوى اللبنانية المحلية – ابقاء لبنان في ظل النظام المالي الدولي، والاستمرار في اتباع سياسة تطبيق العقوبات الاميركية سواء بازاء الارهاب او حزب الله.
ثانيهما، ان يوم أول من امس كان اختباراً اضافياً للمواجهة المفتوحة بين السلطة وحاكم مصرف لبنان الذي يتصرف كأنه الخصم الوحيد لها، وهو وحده يواجهها ويعتزم كسرها ويملك من عدّة الشغل ما يكفي. قبل ان يصدر رسمياً صباح البارحة تعميم تثبيت سعر الدولار على 3200 ليرة، كان قد سُرّب منذ مساء الاحد، ووصل الى كمّ هائل من الاشخاص في السلطة وخارجها. فُسّر بداية على انه خطوة الى الوراء اتخذها سلامة، رداً على الاتهامات المساقة اليه بالاهمال الوظيفي حيال الهبوط المريع لليرة اللبنانية، واشعاراً لخصومه بمحاولة استيعابه هجومهم عليه. سرعان ما دحضت الساعات التالية هذا الاعتقاد، حينما لم يقرن سلامة تعميمه هذا بالتدخل في السوق، كي يُظهر للصرافين – الشرعيين وغير الشرعيين – مخالبه على الاقل، وجدية مضيه في التعميم لوقف تمادي الانهيار. فاذا التعميم ورقي، بينما الصرافون كانوا اللاعبين الحقيقيين في رفع السعر الى 4200 ليرة. عنى ذلك للفور ان الرجل ماض في المواجهة، متسلحاً بعجز مجلس الوزراء – من داخله بداية – عن الخوض في مصير ولايته.
منذ اسابيع لا احد في صدارة الحدث الا حاكم مصرف لبنان. في الايام القليلة الاخيرة بدا انه فعلاً الاقوى في الجمهورية، في معزل عن حصانة ولايته وصلاحياته وخبرته المخضرمة في ادارة مصرف لبنان امتدت الى 27 عاماً. الاكثر مدعاة للانتباه ان الرجل، وبالتأكيد مَن هم فوقه ومَن هم تحته، يستعيدون قاعدة رافقت وجود الرئيس رفيق الحريري في السرايا ما بين عامي 1992 و1998، حينما قيل ان خروجه من الحكم سيؤدي الى انهيار العملة الوطنية بصفته منقذها، ما يعيدها اذذاك الى ما كانت عليه عشية 6 ايار 1992. لذا لزم الحريري رئاسة الحكومة. بخروجه منها للمرة الاولى عام 1998، لم تنهر الليرة في مطلع عهد الرئيس اميل لحود العدو الاول للحريري. كذلك بعد اغتياله عام 2005. تداعت وقتذاك كل التوازنات السياسية والامنية في البلاد وخرج الجيش السوري، فيما حافظت العملة الوطنية على استقرارها. ما بين ذلك العام حتى وصول خلفه الرئيس سعد الحريري الى السرايا في حكومته ما قبل الاخيرة عام 2016، لم تتزحزح ويبدأ هبوطها الا مع احتجازه في الرياض في تشرين الثاني 2017. من ثم – رغم مؤتمر سيدر – باشرت انحدارها التدريجي الى ان بلغ الذروة عشية 17 تشرين الاول المنصرم.
على مر السنوات التالية لاغتيال الحريري الاب – استكمالاً لما كان في ظله – لم تبقَ زاوية في الدولة لم تنهبها الطبقة السياسية او تسطو عليها ولا مال عام لم يهدر، الى ان اصبحت الخزينة خاوية تماماً. ترافق اعلان افلاس الدولة مع اعلان افلاس مماثل لمصرف لبنان بخلو خزينته من الاحتياطي الضامن والكافي من العملات الصعبة. في ذلك ايضاً يكمن مغزى ان الحاكم ليس المرتكب الوحيد ولا الاقوى. لكنه في الواقع اضحى اقوى واجهة عن الطبقة السياسية التي تناوبت على حكم البلاد طوال ثلاثة عقود. بعضها الكثير لا يزال اليوم في السلطة، لكن بعضها الآخر في المعارضة هو نصف التوأم المرتكب.
الكاتب: نقولا ناصيف – الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى